محمد جمال الدين القاسمي
282
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك . فكانت هذه علامة . وأما على قراءة ( السلم ) بفتحتين ، أو بكسر فسكون ، فالمراد به الانقياد . وهو علامة الإسلام . انتهى . وقال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما يحتمل الحظر والإباحة . لقوله : فتبيّنوا ( بالنون ) وهذا قراءة الأكثر . وحمزة والكسائيّ قراءتهما : ( فتثبتوا ) من ( الثبات ) . ويدخل في هذا أحكام كثيرة من الاعتقادات والأخبار والأفعال من الأحكام وسائر الأعمال ، فهذا حكم . والحكم الثاني أنه يجب الأخذ بالظاهر . فمن أظهر الإسلام أو شيئا من شعائر الإسلام ، لا يكذّب بل يقبل منه . ويدخل ، في هذا ، الملحد والمنافق . وهذا هو مذهبنا والأكثر . ويدخل في هذا قبول توبة المرتدّ ، خلافا لأحمد . وقبول توبة الزنديق . وهذا قول عامة الأئمة . وقال مالك : لا تقبل ، لأن هذا عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون . قال الراضي باللّه والإمام يحيى : إن أظهروا ما يعتادون إخفاءه قبلت توبتهم . وإلا فلا . قال علي خليل : تقبل توبتهم ، ولو عرفنا من باطنهم خلاف ما أظهروا . كما قبل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من المنافقين ، وقد أخبر اللّه تعالى بكفرهم . وقال أبو مضر : تقبل ما لم يعرف كذبهم . وهذا الخلاف في الظاهر . وأما عند اللّه ، إذا صدق ، فهي مقبولة وفاقا . قال الحاكم : وتدل على أن التوصل بالسبب المحرم إلى المال لا يجوز . وقد ذكر العلماء صورا في التوصل إلى المباح بالمحظور ، مختلفة . ذكرت في غير هذا الموضع . والحجة هنا من قوله تعالى تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا . لأن الذي قصد هنا أخذه ، محظور . لأن إظهار الإسلام يحقن النفس والمال . فذلك توصل بمحظور إلى محظور . وقوله تعالى : لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً . قرئ ( السلم ) وهذه قراءة نافع وحمزة وابن عامر بغير ألف وهو الاستسلام . وقيل : إظهار الإسلام . وقرأ الباقون : ( السلام ) بألف وهو التحية . انتهى . وقال أبو منصور في ( التأويلات ) : فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة ، والنهي عن الإقدام عندها . وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل فعل وكل خبر . لأن اللّه تعالى أمر بالتثبت في الأعمال بقوله : فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً . وقال في الخبر : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ الحجرات : 6 ] . أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة ، كما أمر في الأفعال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] . وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة . لأنه نهاهم أن يقولوا ( لمن قال : إني مسلم ) لست مؤمنا . وهم يقولون : صاحب